الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
62
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وللقرابة حقّان : حق الصلة ، وحق المواساة . وقد جمعهما جنس الحق في قوله ؛ حَقَّهُ . والحوالة فيه على ما هو معروف وعلى أدلة أخرى . والخطاب لغير معين مثل قوله : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ [ الإسراء : 23 ] . والعدول عن الخطاب بالجمع في قوله : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ [ الإسراء : 25 ] الآية إلى الخطاب بالإفراد بقوله : وَآتِ ذَا الْقُرْبى تفنن لتجنب كراهة إعادة الصيغة الواحدة عدة مرات ، والمخاطب غير معين فهو في معنى الجمع . والجملة معطوفة على جملة أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 23 ] لأنها من جملة ما قضى اللّه به . والإيتاء : الإعطاء . وهو حقيقة في إعطاء الأشياء ، ومجاز شائع في التمكين من الأمور المعنوية كحسن المعاملة والنصرة . ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها » الحديث . وإطلاق الإيتاء هنا صالح للمعنيين كما هي طريقة القرآن في توفير المعاني وإيجاز الألفاظ . وقد بينت أدلّة شرعية حقوق ذي القربى ومراتبها : من واجبة مثل بعض النفقة على بعض القرابة مبينة شروطها عند الفقهاء ، ومن غير واجبة مثل الإحسان . وليس لهاته تعلق بحقوق قرابة النبي صلى اللّه عليه وسلّم لأن حقوقهم في المال تقررت بعد الهجرة لما فرضت الزكاة وشرعت المغانم والأفياء وقسمتها . ولذلك حمل جمهور العلماء هذه الآية على حقوق قرابة النسب بين الناس . وعن علي زين العابدين أنها تشمل قرابة النبي صلى اللّه عليه وسلّم . والتعريف في الْقُرْبى تعريف الجنس ، أي القربى منك ، وهو الذي يعبر عنه بأن ( ال ) عوض عن المضاف إليه . وبمناسبة ذكر إيتاء ذي القربى عطف عليه من يماثله في استحقاق المواساة . وحق المسكين هو الصدقة . قال تعالى : وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ [ الفجر : 18 ] وقوله : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [ البلد : 14 - 16 ] . وقد بينت آيات وأحاديث كثيرة حقوق المساكين وأعظمها آية الزكاة ومراتب الصدقات الواجبة وغيرها .